فخر الدين الرازي
227
القضاء والقدر
واعلم : أنا قد حكينا لهم استدلالهم بما تقرر من هذا الوجه ، على أن علم العبد بكونه موجدا لأفعال نفسه : علم ضروري . وذلك الوجه مغاير لهذا الوجه . لأنا في ذلك الوجه استدللنا بحصول العلم الضروري ، وبحسن المدح والذم على أن العلم الضروري حاصل بكون العبد موجدا . والآن نستدل بحسن المدح والذم على كون العبد موجدا . فظهر الفرق . ولا يقال : لم لا يجوز أن يقال : العبد وإن لم يكن موجدا لأفعال نفسه ، إلا أنه مكتسب لها ويكفي هذا القدر في حسن المدح والذم ؟ لأنا نقول : دخول فعل العبد في الوجود ، إما أن يكون من العبد ، وإما أن لا يكون منه وهذا تقسيم دائر بين النفي وبين الإثبات ، ولا واسطة بينهما . فإن كان فعل العبد في الوجود من العبد ، فقد حصل المقصود . وإن لم يكن به ، فحينئذ يكون أمره بتحصيل العقل مع أنه لا قدرة له على التحصيل يكون أمرا له لما ليس في وسعه . وحينئذ تتوجه المحالات المذكورة . وإذا كان ترتيب الدليل على هذا الوجه لم يكن إلقاء لفظ الكسب في البين : دافعا لهذا الإشكال البتة . وباللّه التوفيق . الحجة الثالثة : لو كان موجد فعل العبد هو اللّه تعالى ، لكان تكليف العبد بالفعل والترك ، تكليفا بما لا قدرة له عليه ، واللازم باطل . فالملزوم مثله . بيان الملازمة : أن العبد لو كان له قدرة على الفعل لكان إما أن يقدر عليه حال ما خلق اللّه الفعل ، أو حال ما لم يخلقه اللّه . والأول محال . لأن ذلك الفعل لما دخل في الوجود بتخليق اللّه تعالى ، امتنع أن يقدر العبد على تحصيله . لأن تحصيل الحاصل محال . والثاني محال . لأنه تعالى إذا لم يخلق ذلك الفعل ، فلو قدر العبد على تحصيله كان هذا تسليما ، لكون العبد قادرا على التحصيل والإيجاد ، وذلك ينافي قولنا : إنه غير قادر عليه . فثبت : أن غيره قادر عليه . فثبت أن موجد فعل العبد لو كان هو اللّه تعالى لما كان العبد قادرا على الفعل البتة . وإنما قلنا أنه قادر على الفعل . لأنه إذا قيل لنا : انتقل من هذا المكان إلى ذلك المكان . ثم قيل لنا : اخلق شمسا وقمرا وسماء وأرضا . فإنا ببديهة العقل ندرك التفرقة بين البابين ، ونعلم بالضرورة : أنه يمكننا الحركة يمنة ، بدلا عن يسرة ، وبالعكس . ولا يمكننا خلق الشمس والقمر والسماء والأرض . ولولا كوننا قادرين على أفعالنا ، وإلا لما حصلت هذه التفرقة . وأما إلقاء لفظ الكسب في البين ، فلا فائدة فيه . لأنه إن كان قادرا على التحصيل ، فقد حصل المطلوب . وإن لم يكن قادرا عليه ، فالإلزام المذكور لازم ، ولا واسطة بين القسمين . فكيف ينفع في مثل هذا الموضع إلقاء لفظة مجهولة في البين ؟ . الحجة الرابعة : لو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه لبطل القول بإثبات إله ، وبإثبات النبوة . وكون كتب اللّه المنزلة : حجة . وقد تقدم تقرير هذا الفصل . الحجة الخامسة : إن اللّه تعالى عالم بقبح القبائح ، وعالم بكونه غنيا عن فعلها . وكل من كان كذلك ، امتنع كونه فاعلا لهذه القبائح . وذلك يدل على أنه تعالى ما أوجد هذه القبائح البتة .